محمد بن جعفر الكتاني

300

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وأول من انتسب منهم : السيد الجليل ، الولي الصالح الحفيل ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد المفضل الحاج البقال بالحرائق ؛ قال في " البدور الضاوية " : « وهذا السيد ولي جليل ؛ لا يقدم على الانتساب للجناب النبوي إلا عن دليل ، ولا يبعد أن يكون وقع له شهود للحضرة النبوية ، فشهد له فيها سيد الوجود عليه الصلاة والسلام بالنبوة ، وناهيك بذلك ، قال : ومما يرشد إلى أنها دعوى عن دليل ؛ أنها لا زالت تفشو وتشيع ، حتى كادت أن تبلغ في الشهرة الحد المعتبر في الجميع » . ه . كان صاحب الترجمة - رحمه اللّه - من أصحاب الشيخ سيدي أبي الشتاء ، وذوي الأحوال منهم ، وكان مرة عنده في سلسلة ، وكانت تعتريه في بعض الأوقات أحوال تخرجه عن حسه ، وكان يقول فيه سيدي مسعود الشراط - دفين خارج باب الجيسة : « سيدي محمد الحاج باشة سيدي أبي الشتاء » ، والباشة عندهم : كالوزير ونحوه من الملك . وكان له التلميذ الكثير ؛ ومن جملة تلامذته : الشيخ العارف ، صاحب الكرامات والبركات والكشوفات ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد المجول القصري دفين مدينة القصر الكبير ، وظهرت له - رضي اللّه عنه - بركات ، وكانت له مكاشفات وإخبار بمغيبات ، وكلام كثير على طريقة أهل الملحون ، واعتراه يوما حال ، وهو ببلاده غصاوة ، فجعل يقول : « انصروني انصروني » ، ويكررها ؛ فبلغ ذلك السلطان أبا عبد اللّه محمد الشيخ المأمون بن أبي العباس المنصور الذهبي ، فتخوف منه أن يدعي الملك ، سيما وكان يكاتبه بأمر غليظ ؛ إذ تحقق إعطاءه العرائش للنصارى بعد أن طلب من علماء الوقت أن يفتوه بإباحة بيعها لهم ؛ فمنهم من أجابه على ذلك ؛ كالقاضي أبي عبد اللّه محمد ابن أحمد بن إبراهيم الدكالي ومن تابعه ، ومنهم من امتنع . والممتنعون افترقوا على ثلاث فرق : * فرقة منهم فرت من فاس ؛ كالإمام الحجة سيدي العربي بن يوسف الفاسي ، وأخيه الحافظ أبي العباس أحمد . * وفرقة اختفت حتى انجلى الأمر وخمدت نار الفتنة ؛ كالقاضي أبي القاسم محمد بن أبي النعيم الغساني الأندلسي ، والعلامة ابن عاشر ، وأبي الحسن علي بن قاسم البطوئي . * وفرقة ناقشت السلطان وأغلظت له القول ؛ كصاحب الترجمة ، ووقعت بينه وبينه في ذلك مراسلات ؛ فأنفذ أعوانه ، فأتوا به إلى فاس ؛ فقتله بها صبرا عام سبعة عشر وألف ، وقبل ذلك أخبر أصحابه بأنه يموت قتيلا ، ودفن بعد قتله بوطا ابن فرقاشة [ 266 ] المعروف الآن بالسياج ، وبنيت عليه قبة ، وقبره بها مشهور إلى الآن عليه دربوز يزار به ويتبرك .